قرى بوري وجانكان على الساحل الغربي للبحرين

تمتد قرى الساحل الغربي في البحرين كشريط متّصل من الذاكرة الشعبية، تتناثر على ضفاف مياه الخليج العربي قرى صغيرة عاش أهلها على وقع البحر وأمواجه. وتأتي بوري وجانكان ضمن تلك القرى التي حفرت اسمها في سجلّ التراث البحري، إذ شكّلتا على مرّ العقود محطّتَين رئيستَين للصيادين والغوّاصين والتجار الذين ربطوا البحرين بجاراتها عبر موانئ طبيعية ودروب بحرية قصيرة. ولا يزال الحديث عنهما يستدعي صوراً لمراكب الشراع وهي تعود عند الغروب، وأصوات الأطفال على الشاطئ، ورائحة الملح المنبعثة من أخشاب السفن المتهالكة.

تتّسم هاتان القريتان بقِصَر المسافة بينهما وبتشابُك علاقات سكّانهما اجتماعياً واقتصادياً، إذ كانت التنقّلات اليومية عبر القوارب الصغيرة أمراً مألوفاً، وكانت الأعراس والمناسبات تجمع أبناء بوري وجانكان في احتفالات مشتركة. وخلال العقود الماضية، شهدتا تحوّلات عمرانية واقتصادية انعكست على طبيعة العلاقة بالبحر، إلا أن كثيراً من العائلات ما زالت تحتفظ بذكريات الآباء والأجداد عن أيام الغوص على اللؤلؤ وأوقات الصيد الموسمي. ومن خلال صفحات أرشيف التراث يمكن للزائر أن يطّلع على تفاصيل أوسع عن هذا الإرث الساحلي الغني.

الموقع الجغرافي وعلاقته بالبحر

يقع الساحل الغربي للبحرين بين مناطق تجمعها روابط بحرية قديمة، حيث تتاخم مياهه الضحلة شواطئ رملية كانت تستقبل مراكب اللؤلؤ ومراكب الصيد الصغيرة. وتتميّز المنطقة بوجود عدد من الموانئ الطبيعية والمراسي التي استُخدمت عبر قرون، مثلما يتّضح في خرائط القرن التاسع عشر التي تشير إلى كثرة الأنشطة في هذا الجزء من الجزيرة. ويُعزى ازدهار بعض القرى هنا إلى قربها من حقول اللؤلؤ التي كانت تمتد في المياه القريبة، مما جعلها نقطة انطلاق طبيعية لأهل الغوص في مواسمهم المعروفة.

أما بوري وجانكان تحديداً، فتقعان في قطاع ساحلي كان يُعرف تاريخياً بكثافة مراسيه وحركة سفنه اليومية. وقد أدّى هذا الموقع إلى نشوء اقتصاد قروي قائم على البحر، حيث اعتمد السكّان على صيد الأسماك والقشريات وصيد اللؤلؤ والتجارة البحرية الصغيرة. وتُعدّ طبيعة الشاطئ هنا — برماله الناعمة ومياهه الضحلة نسبياً — مناسبةً لمراكب البناء المحلي التي كانت تُصنع من خشب النخل والجبّارين المستوردين، وهو ما يُميّز المنطقة عن غيرها من سواحل المملكة.

قرية بوري: مجتمع قائم على البحر

نشأت قرية بوري كمحطة سكنية متواضعة على الساحل، تكوّنت بيوتها تدريجياً حول بستان صغير ومسجد قديم ومرسى للسفن. ويُرجع المؤرّخون أصل اسمها إلى تعبير محلي يرتبط بنوع من السفن أو المراكب التي كانت تستقرّ في مياهها الضحلة. ومع مرور الزمن، تحوّلت بوري من مجرّد مكان للسكن إلى مركز لجمع وتخزين المؤن الخاصة بأهل البحر، إذ كانت القوارب تفرغ حمولاتها فيها قبل أن تُنقل إلى المناطق الداخلية عبر قوافل الجمال والحمّالين.

وتميّز سكّان بوري بمهارات بحرية عالية توارثوها أباً عن جدّ، إذ تعلّم الصبيان ركوب البحر منذ الصغر، وأتقنوا قراءة الرياح والتيارات المائية. وكان من أبرز نشاطاتهم صيد الأسماك التقليدي بالشباك والخيوط والقراقير، إلى جانب جمع المحار في مواسم معينة من السنة. كما اشتُهر عدد من رجالها ببناء السفن الصغيرة وإصلاحها، وهي حرفة ظلّت تُمارس في الحِرف المحلية حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين.

ولا تزال بيوت بوري القديمة تحتفظ بنمطها المعماري التقليدي، حيث تتكوّن من جدران حجرية وسقوف من جذوع النخل والجصّ، مع أفنية صغيرة تطلّ على البحر. وتُظهر هذه البيوت كيف عرف البحريني القديم كيف يبني بيتاً يجمع بين متانة الجدار وانسيابية الفراغ، وكيف كانت النوافذ والأبواب تُصمَّم لتلائم المناخ البحري وتُتيح تهوية طبيعية في أيام الحرّ الشديد.

قرية جانكان: تاريخ متشابك وحياة يومية

تشترك قرية جانكان مع جارتها بوري في كثير من الملامح، لكنها تتميّز بخصوصياتها الاجتماعية، إذ يُرجَّح أن اسمها يعود إلى كلمة فارسية أو هندية قديمة تشير إلى "المرسى" أو "مكان اللقاء". وكان سكّانها على اتصال مباشر ببحّارة الخليج العربي الوافدين من مناطق مثل القطيف والهند وعُمان، مما أضفى على لهجتهم وعاداتهم طابعاً متعدداً. وقد حفلت ذاكرة كبار السنّ بقصص عن تبادل البضائع في سوقها الصغير، وعن وفود بحّارة غرباء كانوا ينزلون فيها أيام الرياح الموسمية.

وتميّزت الحياة اليومية في جانكان بدقّة مواعيدها مع البحر، إذ كان الصيّادون يخرجون عند الفجر ويعودون قبيل الظهيرة، بينما تمتلئ المقاهي الصغيرة بالناس بعد صلاة العصر. وكانت النساء يقمن بتجفيف الأسماك وتمليحها وبيعها في القرى المجاورة، وهو نشاط اقتصادي مهمّ ظلّ ركناً أساسياً من اقتصاد القرية. كما عُرفت جانكان بوجود عدد من العائلات التي اشتغلت ببناء السفن الشراعية الكبيرة التي كانت تُبحر إلى سواحل الهند وأفريقيا الشرقية.

ولا تخلو قرية جانكان من المعالم التراثية، فالمساجد القديمة فيها تتّسم بطراز معماري متواضع لكن أصيل، حيث تتداخل الأقواس والقباب الصغيرة في تناغم بسيط. وتُحيط بالمساجد أزقّة ضيقة تنتشر فيها بيوت الصيادين ومخازنهم الصغيرة، التي كان كلّ منها يحتفظ بعدد من المراسي الخشبية وشباك الصيد المطوية بعناية. وتُعدّ هذه المنطقة اليوم من المواقع التي تستحق التوثيق الأثري والترميم الدقيق حفاظاً على هويّتها المتفرّدة.

الأنشطة البحرية والتراث الحرفي

شكّلت الأنشطة البحرية عصب الحياة في بوري وجانكان، إذ لم يكن البحر مجرّد مصدر رزق، بل كان أيضاً فضاءً للتعلّم والعلاقات الاجتماعية. وكان الغوص على اللؤلؤ واحداً من أبرز هذه الأنشطة، رغم أنه كان موسمياً وقاسياً في آن معاً. وكان الغوّاصون يتدرّبون منذ الصغر على حبس الأنفاس والصمود تحت الماء، ويتنافسون في مجموعات تسمّى "الفشوت"، يجمعهم قائد السفينة ويوزّع عليهم الأرباح وفق نظام دقيق عرف به أهل الخليج.

وإلى جانب الغوص، ازدهرت في القريتين حرف بحرية مثل نسج الشباك وصناعة الحبال من ليف النخل، وصبّ القطران على أخشاب السفن لحمايتها من ماء البحر. وكان بعض الحرفيين يتخصّصون في نحت المجاديف ونسج السعف لصنع السلال الكبيرة التي تُستخدم في نقل الأسماك والمؤن. وتُظهر الأدوات والمعدّات القديمة المحفوظة في بعض البيوت مدى تطوّر هذه الحرف، وكيف كانت تجمع بين المعرفة البيئية والمهارة اليدوية والموروث الاجتماعي المتوارث.

كما لعبت الموانئ الصغيرة في بوري وجانكان دوراً محورياً في التجارة البحرية القريبة، حيث كانت السفن تأتي بالمؤن والأخشاب والأقمشة، وتعود بالمحار والأسماك المجففة. وقد أدّى هذا التبادل إلى إثراء ثقافي واضح، إذ تأثّرت العادات المحلية بالموروث الفارسي والعربي والهندي، وانعكس ذلك في الأطعمة والملابس وحتى في أنماط الزخرفة على الأخشاب والمعادن، ولا تزال بعض هذه التأثيرات حيّة في المطبخ المحلي والأهازيج الشعبية.

معالم الذاكرة والحفاظ على التراث

تتمحور جهود الحفاظ على تراث بوري وجانكان حول التوثيق والترميم وإشراك المجتمع المحلي. وقد بدأت مبادرات عدّة لإعادة تأهيل بعض البيوت القديمة وتحويلها إلى مراكز ثقافية صغيرة تستقبل الزوار والباحثين. وتُعدّ هذه المبادرات فرصة لإحياء الحرف التقليدية، مثل نسج السعف وصناعة السفن المصغّرة، وتدريب الأجيال الجديدة عليها قبل أن تندثر تماماً بفعل التحوّلات الاقتصادية المعاصرة.

وتُسهم الصور والوثائق القديمة التي يحتفظ بها سكّان القرى في إعادة بناء صورة الحياة اليومية في العقود الماضية، إذ تُظهر صور القريتين في الأربعينيات والخمسينيات بيوتاً متواضعة وأزقّة ترابية وسفناً راسية على الشاطئ. وتتوافر بعض هذه الصور والأبحاث في أرشيفات رقمية متخصّصة، مثل الدراسة المتعلّقة بـميناء سيد الّلؤلؤ التي تتناول تاريخ الموانئ القريبة من المنطقة وأثرها على القرى الساحلية.

وتبرز اليوم ضرورة ربط التراث المحلي بالسياحة الثقافية والتعليم، بحيث يستطيع الزائر التعرف إلى تاريخ الساحل الغربي عبر جولات ميدانية محدّزة تشمل زيارة المراسي القديمة والمساجد والبيوت التراثية، والاستماع إلى روايات كبار السنّ عن أيام البحر الأولى. ويظلّ التوثيق الشفهي من أهالي المنطقة الركيزة الأهمّ في فهم هذه الحقبة قبل أن يطويها النسيان.

ابدأ من أرشيف الصور العائلية في بيتك، فكثير من عائلات بوري وجانكان ما زالت تحتفظ بألبومات وصور وأدوات بحرية قديمة تَحكي قصص البحر قبل أن تُنسى.