contact@bahrain-history.net +973 1700 0000
BH Bahrain History
A wide analog film photograph of the Arabian Gulf at dusk, with warm amber light along the water and a deep navy sky, subtle film grain visible throughout.
Bahrain History Resource

This site is dedicated to preserving and sharing Bahrain's historical narrative — a starting point for readers exploring the islands' long story.

مهنة صيد اللؤلؤ في البحرين وذاكرة البحر

ارتبط تاريخ البحرين بالبحر ارتباطاً عميقاً، فقد كان الخليج مصدراً للرزق وفضاءً للحركة والتجارة والتواصل بين الجزر والسواحل القريبة. وفي قلب هذا العالم البحري نشأت مهنة صيد اللؤلؤ، التي شكّلت عصب الاقتصاد المحلي قروناً طويلة، وتركت آثارها في القرى الساحلية والأسواق والبيوت والعادات الشعبية.

لم تكن رحلة الغوص بحثاً عن المحار فحسب، بل كانت منظومة اجتماعية متكاملة يشترك فيها النوخذة والغواص والسيب والطواش وصانع السفن وأفراد الأسر المنتظرون عند الشاطئ. ومن خلال دراسة هذه المهنة يمكن فهم جانب واسع من تاريخ البحرين، وتقدير ما تحمله الأجداد من مشقة ومخاطرة في سبيل توفير العيش وبناء المجتمع.

البحر والبيئة التي احتضنت اللؤلؤ

ساعد الموقع الجغرافي للبحرين على ازدهار استخراج اللؤلؤ. فقد انتشرت حول الجزر مياه ضحلة ومناطق بحرية مناسبة لنمو المحار، وكانت بعض الهيرات، وهي مواضع اللؤلؤ في البحر، معروفة لدى البحارة جيلاً بعد جيل. كما أسهمت طبيعة الخليج الدافئة ووفرة الشعاب في جعل الغوص نشاطاً اقتصادياً مهماً قبل ظهور النفط.

كان البحارة يميزون بين مواقع الغوص بحسب عمقها وبعدها عن الساحل ونوعية المحار الموجود فيها. وتوارث النوخذة معرفة اتجاهات الرياح والتيارات ومواسم الإبحار، بينما ارتبطت قرى كثيرة بهذا النشاط بصورة مباشرة. ويمكن لمن يتتبع تاريخ المجتمعات الساحلية أن يلاحظ أثر البحر في تخطيط البيوت ومسارات الأسواق، كما يظهر في تاريخ قرية الدراز القديمة وما حفظته من ملامح الحياة المحلية.

رجال الغوص وأدوارهم في السفينة

كان الغواص الشخصية الأشهر في رحلة صيد اللؤلؤ، لكنه لم يعمل منفرداً. فقد تولى النوخذة قيادة السفينة واختيار مواقع الغوص وتنظيم الرحلة، وكان الغواص ينزل إلى قاع البحر بحبل يربطه بالسفينة وثقل يساعده على الهبوط السريع. أما السيب فكان مسؤولاً عن سحب الغواص إلى السطح ومراقبة حركته، وهي مهمة تتطلب سرعة وانتباهًا بالغين.

ضم الطاقم كذلك مسؤولين عن إعداد الطعام والماء وإدارة الشراع والعناية بالمحار، وكان لكل فرد عمل محدد لا تستقيم الرحلة بدونه. وعُرفت أسماء ومصطلحات بحرية كثيرة تعبّر عن دقة هذا التنظيم، مثل النهام الذي يرفع صوته بالغناء لإثارة الحماس وتخفيف وطأة العمل. وقد أسهمت هذه الأدوار المتكاملة في تحويل السفينة إلى مجتمع صغير تحكمه الخبرة والانضباط والتعاون.

موسم الغوص ومراحل الرحلة

كانت رحلات الغوص تمتد خلال أشهر الصيف، حين يشتد الحر على اليابسة ويقضي الرجال أسابيع أو أشهراً في البحر. تبدأ الاستعدادات بإصلاح السفن وتجهيز الأشرعة والحبال وأدوات الغوص، ثم يودع البحارة أسرهم وينطلقون إلى الهيرات. ولم يكن الابتعاد عن الساحل سهلاً، إذ واجهت السفن تغيرات الطقس وارتفاع الأمواج ونقص الماء والغذاء.

يقضي الغواص ساعات طويلة في النزول المتكرر إلى القاع، يجمع المحار في سلة أو شبكة، ثم يصعد ليستعيد أنفاسه قبل محاولة أخرى. وبعد عودة السفينة يبدأ فتح المحار وفرز ما بداخله، وقد تمر كميات كبيرة من دون العثور على لؤلؤة ثمينة. وتكشف هذه العملية عن مقدار الصبر المطلوب، وعن اعتماد الأسرة على محصول قد يكون وفيراً في موسم ونادراً في موسم آخر.

أدوات الغوص وصناعة السفن

استخدم الغواص أدوات بسيطة لكنها صممت لتناسب طبيعة العمل. ومن أبرزها الفطام، وهو مشبك أو سدادة توضع على الأنف لتقليل دخول الماء، والحجر الذي يساعد على النزول، والسلة أو الزيبل لجمع المحار. كما استعان الغواص بملابس خفيفة وحبل متين، وكان السيب يتابع الإشارة المتفق عليها لرفع الغواص في الوقت المناسب.

أما السفن فكانت تصنع من الخشب وفق خبرة متوارثة لدى القلافين، وتتنوع أحجامها وأشكالها بحسب نوع الرحلة وعدد أفراد الطاقم. احتاج بناء السفينة إلى معرفة دقيقة بتوازنها ومقاومتها للماء، كما تطلبت صيانتها مهارة مستمرة قبل موسم الغوص وبعده. ولهذا ارتبط ازدهار اللؤلؤ بمهن أخرى، مثل النجارة وصناعة الحبال وإعداد الأشرعة، فكان البحر يحرك سلسلة واسعة من الحرف.

اللؤلؤ في الأسواق والمجتمع

بعد فرز المحار، يتولى الطواش شراء اللؤلؤ من البحارة وفحصه وتصنيفه وفق الحجم واللون واللمعان والاستدارة. ثم ينتقل إلى التجار والأسواق المحلية أو إلى مراكز تجارية خارج البحرين، حيث يجد طريقه إلى صناع الحلي والمشترين في مناطق مختلفة. وقد اكتسب اللؤلؤ البحريني سمعة واسعة بسبب جودته، فكان جزءاً مهماً من حركة التجارة في الخليج.

أثرت هذه التجارة في الحياة الاجتماعية كذلك، إذ وفرت دخلاً للأسر ووسعت نفوذ بعض التجار، لكنها أوجدت تفاوتاً بين العاملين في البحر وأصحاب رأس المال. وكان نظام السلف والدين يجعل كثيراً من الغواصين مرتبطين بالنوخذة أو الطواش حتى نهاية الموسم، الأمر الذي جعل نجاح الرحلة مسألة اقتصادية حساسة لجميع الأطراف. وتساعد دراسة المواقع التاريخية، مثل جولة في قلعة البحرين، على فهم الصلات بين الموانئ والأسواق ومراكز الحكم والتجارة في تاريخ الجزيرة.

الذاكرة الشعبية وتحول المهنة

حفظت الأغاني البحرية والأمثال والحكايات تفاصيل كثيرة من حياة الغوص. كان النهام يؤدي أهازيج ذات إيقاع متكرر أثناء العمل، فتساعد الأصوات الجماعية على تنسيق الجهد وتخفيف التعب، بينما بقيت قصص الغواصين حاضرة في ذاكرة العائلات والقرى. كما انعكست المهنة في الملابس والأطعمة ومواعيد السفر والاحتفالات المرتبطة بعودة السفن.

بدأت مكانة الغوص التجارية بالتراجع مع انتشار اللؤلؤ الصناعي والأزمات الاقتصادية وتغير طرق التجارة، ثم جاء اكتشاف النفط ليعيد تشكيل اقتصاد البحرين وسوق العمل فيها. ومع ذلك لم تختفِ المهنة من الذاكرة، بل تحولت إلى رمز للهوية البحرية ومجال للبحث والتوثيق والمتاحف والفعاليات التراثية. وتوفر المواقع المتخصصة في تاريخ البحرين وتراثها مادة تساعد على ربط الموروث البحري بتاريخ القرى والمدن والحرف القديمة.

ظل صيد اللؤلؤ تجربة جماعية صنعتها مهارات الغواصين وصبر الأسر وخبرة صناع السفن وتجارة الطواويش، ولذلك فإن قيمته لا تقاس بما استخرج من المحار وحده. إن تذكر هذه المهنة يعني تذكر البحرين قبل النفط، حين كان البحر مصدر الرزق ومدرسة للحرفة والتعاون والمغامرة. وما ينبغي أن يبقى في الذاكرة أن اللؤلؤة كانت ثمرة جهد مجتمع كامل، لا ثمرة غوص رجل واحد.