الحرف اليدوية في البحرين بين النجارة والخوص

تتعدد الحرف اليدوية في البحرين منذ قرون طويلة، فشكّلت ملامح الحياة اليومية للبحارنة وأثرت في نسيجهم الاجتماعي. وقد تجاوزت هذه الحرف كونها وسائل لكسب الرزق، فأصبحت رموزاً للهوية وروافد للتراث الذي يتناقله الأبناء عن الآباء. ويبرز من بينها حرفتان متجاورتان في الأهمية والتاريخ: النجارة وصناعة الخوص.

ارتبطت النجارة بالبحر والبر معاً، فساهمت في بناء السفن التقليدية وصناعة أبواب بيوت المحرق والمنامة. وكان النجار البحريني ماهراً في النجارة المفصلية الدقيقة التي تتطلب صبراً طويلاً ومهارة يدوية متوارثة من جيل إلى جيل.

أما الخوص فهو فن نسج سعف النخيل وصناعة السلال والمكاتل والمكانس والأقفاص. وتعدّ النخلة شجرة الحياة في البحرين، حيث لم يترك البحريني جزءاً منها دون أن يحوله إلى منتوج يدوي مفيد يخدم الأسرة والبيت.

وبينما تختلف مادتا الحرفتين – الخشب والسعف – فإنهما تشتركان في كونهما امتداداً لعلاقة الإنسان البحريني ببيئته وموروثه. وقد لعبتا دوراً محورياً في تلبية احتياجات المجتمع وفي تشكيل منظومة اقتصادية صغيرة قائمة على الورش والأسواق المحلية.

الجذور التاريخية للنجارة في البحرين

تعود ممارسة النجارة في البحرين إلى حقب قديمة، حين بدأت القرى الساحلية تعتمد على القوارب الخشبية في صيد اللؤلؤ والتجارة البحرية. وكان النجار يقوم بدور مزدوج: يصنع أدوات البحر ويبني هياكل البيوت والأبواب والنوافذ.

ازدهرت حرفة النجارة في فترات ازدهار تجارة اللؤلؤ، حيث كانت السفن تُبنى في أحواض خاصة تُعرف محلياً بـ"الحوش". وتأثرت النجارة بالمدارس الفارسية والهندية في زخرفة المصاريع والأبواب. ولمعرفة المزيد عن السياقات التاريخية المرتبطة بحكام البحرين وعصورهم، يمكن العودة إلى al-khlyft-hkam-albhryn-br-alqrwn-fc8fe3.

تطورت أدوات النجارة عبر الزمن، من الفأس والمبارد الحجرية إلى الأدوات المعدنية الأكثر دقة. وانتقلت المهارة من جيل إلى جيل عبر الورش الأسرية، فكان النجار الماهر يُعلّم تلاميذه على مدى سنوات طويلة قبل أن يُعتبر أستاذاً في حرفته.

الأخشاب المحلية وأدوات النجار البحريني

اعتمد النجار البحريني تاريخياً على أخشاب الساج المستوردة من الهند، وخشب الغاف المحلي الذي يتميز بصلابته ومقاومته للرطوبة، إضافة إلى خشب الصنوبر في الصناعات الدقيقة. وكان اختيار الخشب يتطلب خبرة طويلة ومعرفة دقيقة بخصائص كل نوع.

شملت الأدوات التقليدية المستخدمة: المنشار والمطرقة والمبرد والمثقاب والقدوم. وكان النجار الماهر يميّز العقد والألياف بالصوت حين ينشر الخشب، ويعرف متى يُنقع الخشب ومتى يُستخدم جافاً. وتتلمذ النجارون على يد شيوخ معروفين في كل حي، يمرّون على مراحل تعلّم متعددة قبل إتقان الحرفة.

ومن أبرز منتجات النجارة في البحرين سفن "البتيل" و"الشوعي" و"الجلبوت"، إضافة إلى الأبواب والنوافذ والأثاث المنزلي. ولعل تطور هندسة السفن في البحرين يذكّرنا بتقنيات هندسية أخرى نشأت في ثقافات بعيدة، مثل ما يوثّقه الآبار البيدارية البهمنية في شبه القارة الهندية.

فن الخوص وأساليب نسج السعف

يُعدّ الخوص من أقدم الحرف المعروفة في الخليج العربي، وقد مارسه البحرينيون منذ ما قبل ظهور النفط. ويقوم هذا الفن على نسج سعف النخيل بعد تجفيفه وتعريضه للشمس، ثم تحويله إلى منتجات متنوعة تتناسب مع احتياجات الأسرة.

تتعدد منتجات الخوص البحرينية، فمنها "المحصن" الذي يوضع تحت التمر في المنزل، و"المكبة" المستخدمة في خبز الخبز التقليدي، و"السفيفة" التي تغطي الأسقف، و"المكتبان" لحفظ الأشياء الثمينة. وتختلف الزخارف المستخدمة في النسيج من منطقة إلى أخرى، حيث تمتاز بعض القرى بنقوش هندسية، وأخرى بنقوش نباتية مستوحاة من البيئة المحلية.

تمر عملية النسيج بعدة مراحل متتابعة: اختيار السعف الطازج، تقطيعه، تنشيفه، صبغه أحياناً بألوان طبيعية، ثم نسجه بأصابع اليد فقط دون استعمال أي آلة حديثة. وتتطلب هذه العملية صبراً طويلاً ومهارة في التحكم بشدّ الخوص للحصول على شكل متجانس ومتين.

أدوات ومواد الخوص التقليدية

لا تحتاج حرفة الخوص إلى أدوات معقدة، فهي تعتمد بشكل أساسي على اليدين وأصابعهما، إضافة إلى إبرة من الخشب أو العظم تُستخدم في إدخال السعف وشدّه. ويُعدّ النخيل المصدر الرئيسي للسعف، ويقوم الحرفي بجمعه في مواسم معينة من السنة.

ويختار النسّاج السعف الطازج ذي اللون الأخضر الفاتح للاستخدام في المنتجات الدقيقة، ويترك السعف الأكثر جفافاً للمنتجات الخشنة. ومن المواد المساعدة في الخوص: الخيوط القطنية أو الليفية لربط الأطراف، وأوراق السيسبان الملونة لإضافة لمسات جمالية. ويُعتبر المنتج المتقن مقياساً لمهارة النسّاج، حيث يكون متجانساً في الشكل، متيناً في البناء، أنيقاً في الزخرفة.

الموروث الاجتماعي والاقتصادي للحرف

لعبت النجارة والخوص دوراً اجتماعياً بارزاً في البحرين، حيث تجاوزتا كونهما حرفتين اقتصاديتين لتشكّلا روابط أسرية ومجتمعية متينة. ففي كثير من الأحيان، كانت العائلات تتوارث ورش النجارة عبر الأجيال، وكذلك الأمر في الخوص حيث تتناقل النساء مهارات النسيج داخل البيت الواحد.

اقتصادياً، كانت منتجات النجارة والخوص تُباع في الأسواق الأسبوعية واليومية، وكانت تُصدّر بعض المنتجات إلى مناطق الخليج المجاورة. كما كانت هذه الحرف تُدرّ دخلاً على الأسر الفقيرة التي لا تملك أراضي زراعية، فكانت النساء يعملن في الخوص لكسب الرزق، في حين يعمل الرجال في النجارة والبناء. وتشبه هذه الدينامية الاجتماعية ما تقوم به مجتمعات ريفية أخرى للحفاظ على هويتها، مثل ما يُلاحظ في مبادرات مجتمع باداغا في جنوب الهند.

وإلى جانب ذلك، كانت الحرفتان تُستخدمان في المناسبات الدينية والاجتماعية، فتُزيّن منتجات الخوص في رمضان والأعياد، وتُستخدم الأواني والأبواب الخشبية في تجهيز الولائم والمجالس. وكان بعض الحرفيين يحصلون على دعم من وجهاء المجتمع أو التجار، مما يدل على تكامل المنظومة الاجتماعية حول هذه الحرف.

التحديات المعاصرة وإرث الحرفيين

تواجه حرفتا النجارة والخوص في البحرين اليوم تحديات جمة، أبرزها ندرة المواد الأولية وارتفاع أثمانها. فقد قلّت أشجار الغاف المحلية، وأصبح استيراد الأخشاب الجيدة مكلفاً جداً. كما أن السعف بات أقل توفراً مع تراجع بعض بساتين النخيل القديمة وتغير أنماط البناء الحديثة.

ويضاف إلى ذلك قلة إقبال الأجيال الجديدة على تعلم هذه الحرف، إذ ينجذب الشباب إلى الوظائف الحكومية والقطاعات الحديثة ذات الدخل المرتفع. كما أن غزو المنتجات البلاستيكية والمصنّعة للسوق، وغياب التشريعات الداعمة للحرفيين، أدّيا إلى تقلّص عدد الممارسين لهذه الحرف بشكل ملحوظ. ويبقى كبار السن من الحرفيين يحملون إرثاً غنياً لم يُوثّق بشكل كافٍ، مما يهدد ضياع كثير من المهارات والأساليب التقليدية.

جهود التوثيق والتراث الحرفي

شهدت السنوات الأخيرة جهوداً متزايدة لتوثيق الحرف اليدوية البحرينية، سواء من خلال مراكز التراث الرسمية أو المواقع الإلكترونية المتخصصة. وتُعدّ بعض الصفحات على الإنترنت مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين، مثل ما يُتاح في al-wd-albhryny-alt-trathyt-ryqt-7033ca من مقالات متخصصة في التراث التقليدي.

وقد أنشئت ورش عمل ومعارض سنوية في المنامة والمحرق لإحياء هذه الحرف، وتُقام أحياناً فعاليات حية يُدعى فيها الحرفيون لعرض مهاراتهم أمام الجمهور المحلي والسياح. كما تقوم بعض الجمعيات النسائية بتعليم الفتيات حرفة الخوص، ضمن برامج تراثية تسعى للحفاظ على الموروث وإيصاله إلى الأجيال الجديدة.

ويبقى التحدي الأكبر في ربط هذه الجهود بالتعليم الرسمي والمناهج المدرسية، حتى يصبح تعلّم الحرف جزءاً من وعي الأجيال الناشئة بهويتها. فالنجارة والخوص ليسا حرفتين عاديتين، بل سجلّ حيّ لتاريخ البحرين وعلاقة أهلها ببيئتهم.

العنصر النجارة الخوص
المادة الأساسية أخشاب الساج والغاف سعف النخيل
الأدوات الرئيسية المنشار والقدوم والمبرد اليدان وإبرة خشبية
المنتجات الشائعة السفن والأبواب والأثاث السلال والمكاتل والسفيفة
ممارسو الحرفة غالباً الرجال النساء
التأثيرات الخارجية فارسية وهندية عربية خليجية
التحديات الراهنة ندرة الأخشاب وغزو المعدن تراجع السعف وغزو البلاستيك

ممارسات عملية لإحياء الحرف

يبقى الإرث الذي خلّفه صنّاع النجارة والخوص في البحرين شاهداً حياً على قدرة الإنسان البحريني على تحويل بيئته إلى فن وثقافة. وسبيل إحياء هذا التراث لا يحتاج إلى قرارات معقدة، إنما يكفي أن تبدأ الخطوات من البيت والمدرسة والسوق. إن إعادة فتح ورشة صغيرة، أو تعلّم نسج سعفة واحدة، قد تكون أبلغ تعبير عن الاعتزاز بهذا الموروث الذي يربط الحاضر بالماضي.