العود البحريني آلة تراثية تتوارثها الأجيال
في قلب الجزيرة العربية، تتشابك أصوات البحر مع نغمات الشعر، ويبقى العود رفيق الذاكرة البحرينية الذي رافق الأهالي في أفراحهم وأتراحهم. تتنوع مظاهر التراث في البحرين بين العمارة والحرف والملاحة، غير أن الموسيقى كانت وما زالت لغة المجتمع في التعبير عن همومه وآماله.
يحتل العود مكانة خاصة ضمن الآلات الوترية التي عرفها الخليج قديماً، إذ لم يكن مجرد أداة للترفيه، بل كان وسيطاً لنقل القصص والأخبار بين القرى، ومجالس السمر في ليالي الصيف الطويلة. وتحتفي صفحات موقع التاريخ البحريني بتاريخ القرى والمدن التي نشأ فيها هذا الفن وارتبط بحياة الناس اليومية.
من جبال الدوس إلى سواحل الحورة، ومن ديرة النخيل إلى أسواق المنامة القديمة، انتشرت معاهد العود ومجالس العازفين، حتى صار العود جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية البحرينية. تتشابك ألحانه مع الأهازيج الشعبية، ومع قصائد النهمة، حتى غدا علامة مميزة لإيقاع الحياة في الجزيرة.
اليوم، يقف العود البحريني شاهداً على حقب تاريخية طويلة، يروي للأجيال الجديدة حكايات الغوص وصيد اللؤلؤ والبحارة العائدين من رحلاتهم الطويلة. إنه إرث يحمل في أوتاره رائحة الخشب، ودفء الأيدي التي صنعته، وصدى أصوات الشعراء الذين ألهمهم.
| الآلة | المنشأ الرئيسي | المادة الأساسية | الاستخدام التقليدي |
|---|---|---|---|
| العود البحريني | الخليج العربي | خشب الجوز والصفصاف | الشعر الملحون وفنون الغوص |
| الربابة | نجد والحجاز | جلد الماعز والخشب | السامر والقصص الشعبية |
| الطنبور | العراق والخليج | خشب التوت والصنوبر | الموسيقى الدينية والاحتفالات |
| القانون | الشام ومصر | خشب الأرز والعاج | الموسيقى الكلاسيكية العربية |
جذور العود في تاريخ البحرين
ترجع أقدم الإشارات إلى العود في المنطقة العربية إلى ما قبل الإسلام بقرون، غير أن البحرين أسهمت في تطوير تقنيات العزف عليه وفي توريث مقامات خاصة بالمنطقة. كانت الموسيقى ترافق أهل البحرين في مواسم صيد اللؤلؤ، وفي رحلاتهم التجارية عبر الخليج، إذ كانوا يحملون معهم آلاتهم لتخفيف مشاق السفر.
ذكرت كتب التراث أن تجار اللؤلؤ البحرانيين كانوا يصطحبون معهم عازفي العود في سفنهم الكبيرة، حيث كان العزف يمتد لساعات طويلة في ليالي البحر، يساعد على تجاوز الوحدة الطويلة بعيداً عن الوطن. وفي تاريخ قرية الدراز القديمة، تتضح صورة المجتمع الذي أحاط بهذه الآلة وقدّرها، فكانت تُهدى في المناسبات السعيدة وتُحفظ بعناية في بيوت الوجهاء.
تأثر العازف البحريني بمقامات عراقية ومصرية وحجازية، إلا أنه طوّر لها لمسة محلية تظهر في طريقة التنغيم وفي اختيار الأوزان الشعرية الملحنة. هذا المزج بين التأثير الخارجي والخصوصية المحلية هو ما منح العود البحريني شخصية فريدة مميزة عن غيره من الآلات المشابهة في المنطقة.
صناعة العود البحريني عند الحرفيين
تبدأ صناعة العود البحريني باختيار الأخشاب المناسبة، إذ يُفضّل صانعو العود المحليون خشب الجوز المستورد من بلاد فارس أو خشب التوت الذي يتميز بكثافته ونقاء صوته. يمر العود بمراحل دقيقة تبدأ بتقطيع الخشب وتجفيفه لسنوات طويلة، قبل أن يُنحت ويُلصق ويُغطى بقشرة رقيقة من خشب الصفصاف المنقوش.
يحتاج الصانع البحريني إلى سنوات من الخبرة قبل أن يتمكن من ضبط أعناق العود ومفاتيحه بما يضمن توازن الصوت وعمقه. وتقتصر صناعة العود الجيد على حرفيين معدودين في المنامة والمحرق، ورثوا المهنة عن آبائهم وأجدادهم، وما زالوا يحافظون على أدواتهم التقليدية رغم توفر المثاقب الكهربائية والماكينات الحديثة.
وعند الحديث عن الحرف اليدوية في البحرين، لا يمكن إغفال صناعة السفن الخشبية في جزيرة المحرق التي تتقاسم مع صناعة العود روحاً واحدة قائمة على الصبر والإتقان. فالحرفي في كلتا الحرفتين يعرف أن النتيجة النهائية لا تكتمل إلا حين يلتقي الخشب مع الزمن لتُنتج منه قطعة تحمل قيمة جمالية وروحية في آن.
العود في الأغاني البحرية وأهازيج الغوص
ارتبط العود ارتباطاً وثيقاً بفن الغوص عن اللؤلؤ، تلك المهنة التي شكلت عماد الاقتصاد البحريني لعقود طويلة. كان الغواصون يرددون الأهازيج أثناء النزول إلى قاع البحر، ثم يستمعون إلى ألحان العود وهم يعودون إلى السطح يستريحون قبل الغوص التالي. وكانت هذه الألحان تختلف باختلاف مراحل الغوص، فلكل مرحلة لحنها الخاص بها.
لم يكن الغواص يغني وحده، بل كانت فرقة صغيرة من العازفين ترافق السفن في عرض البحر، تقدم ألحاناً تتناسب مع إيقاع الموج وحركة الرياح. ومن أشهر الأهازيج التي صاحبت الغوص أغنية "يا مال العود" التي أصبحت رمزاً لهذا التراث البحري العريق، ولا تزال تُسمع في الاحتفالات والمهرجانات حتى اليوم.
ساهم هذا التواجد اليومي للعود في البحر في صياغة ذوق موسيقي خاص لدى البحرينيين، يجمع بين الشجن والحنين والرجولة. وحتى بعد تراجع مهنة الغوص في الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، ظلت الأغاني البحرية حية في الذاكرة الجمعية، وكثيراً ما كانت تُستحضر في الأعراس والمناسبات الوطنية.
شعراء العود وعازفو الذاكرة
عرفت البحرين أسماء لامعة في مجال العزف على العود والشعر الملحون، من أمثال محمد بن فارس بن مطر الذي يُعد من رواد هذا الفن في المنطقة، وغيره من الفنانين الذين وثقت لهم سجلات الإذاعة والتلفزيون في منتصف القرن العشرين. هؤلاء العازفون لم يكونوا مجرد موسيقيين، بل كانوا رواة للقصة البحرينية وملهمين لجيل كامل من المبدعين.
تأثرت المدرسة البحرينية في العزف بالاتصال الثقافي بين البحرين ودول الخليج العربي وبلاد الشام، فحضرت المقامات العراقية والمصرية في الأداء، لكن اللمسات المحلية ظلت واضحة في تركيب الألحان وفي اختيار الكلمات الشعرية. وكثيراً ما كان العازف البحريني يستلهم موضوعاته من البحر والنخيل والصحراء، فتأتي ألحانه معبّرة عن بيئة الجزيرة ومكوناتها.
ولا تزال أسماء بعض العازفين القدامى تتناقلها الألسن في مجالس البحرين، حيث يروي كبار السن قصصاً عن حلقات السمر التي كانوا يجتمعون فيها مع هؤلاء الفنانين. وتبقى ذاكرة العود البحريني محفوظة في تسجيلات أرشيفية وفي كتب التراث التي وثّقت هذه الحقبة المهمة من تاريخ البحرين الثقافي.
إرشادات للعناية بالعود البحريني
- اختر دوماً العود من صانع موثوق يمتلك سمعة طيبة في استخدام الأخشاب الجافة والمجففة طبيعياً.
- حافظ على درجة حرارة معتدلة ورطوبة مناسبة في مكان حفظ العود، إذ يتأثر الخشب بالطقس الجاف والرطب على حد سواء.
- غيّر أوتار العود بانتظام واختر الأوتار النايلون للمبتدئين لأنها ألطف على الأصابع وأقل عرضة للكسر.
- تدرّب يومياً على المقامات الأساسية كالبيات والحجاز والصبا، فهي الأساس الذي تُبنى عليه الألحان البحرينية التقليدية.
- استمع إلى تسجيلات الفنانين البحرينيين القدماء لتتعرف على الأسلوب المحلي في التنغيم والإيقاع.
- احرص على تنظيف العود بعد كل جلسة عزف بقطعة قماش ناعمة وجافة لإزالة العرق وبصمات الأصابع.
- شارك في حلقات العزف الجماعية التي تُقام في المراكز الثقافية البحرينية لتبادل الخبرات مع عازفين آخرين.
يحفظ العود البحريني مكانته في قلوب أهل البحرين وذاكرة الأجيال الجديدة التي تتعلم العزف عليه في المراكز الثقافية والجمعيات الأهلية. ويمكن لكل محب لهذا التراث أن يبدأ رحلته باقتناء عود متوسط الجودة، ثم التدرج في تعلّم المقامات والألحان التقليدية، قبل أن ينتقل إلى مراحل الإتقان والابتكار. إن العود ليس مجرد آلة موسيقية، بل هو سجل حي لتاريخ البحرين، يحمل في أعماقه أصوات الغواصين والشعراء والحرفيين، ويبقى شاهداً على إبداع أمة وثقافتها العريقة.