تاريخ مطار البحرين القديم
لطالما شكّل مطار البحرين القديم على مدى عقود طويلة نقطة التقاء بين الشرق والغرب، إذ شاهد أجيالاً متعاقبة من المسافرين يعبرون بواباته. قصة هذا المطار ليست مجرد قصة مدرجات وطائرات، بل هي تعبير عن مرحلة مفصلية في تاريخ البحرين الحديث، تعكس انفتاح المملكة على العالم وموقعها الجغرافي المحوري في الخليج العربي.
منذ إنشائه في أوائل القرن العشرين وحتى تشغيل المبنى الجديد في أواخر عام 2020، شهد المطار تحوّل البحرين من منطقة هادئة تعتمد على الغوص بحثاً عن اللؤلؤ إلى مركز مالي وسياحي إقليمي. وتوثق صفحات تاريخ البحرين تفاصيل هذا التحوّل وغيره من محطات التاريخ الحديث للبلاد، مما يساعد على فهم كيف تحوّل مبنى المطار إلى رمز للهوية الوطنية.
نشأة المطار في عشرينيات القرن العشرين
في منتصف العشرينيات، كانت بريطانيا التي كانت تتولى شؤون الخارجية في المنطقة تبحث عن مواقع ملائمة لإنشاء خطوط جوية تربطها بمستعمراتها في الهند والشرق الأقصى. مياه الخليج الضحلة جعلت من البحرين محطة طبيعية للتوقف، إذ كانت الطائرات في تلك الحقبة تفتقر إلى المدى الكافي لقطع مسافات طويلة دون توقّف. في عام 1927، أُنشئ مدرج في منطقة تعرف بـ"المحرق" بمحاذاة مرسى الطائرات المائية، ليُصبح واحداً من أوائل حقول الهبوط المنظمة في شبه الجزيرة العربية.
لم يكن الموقع في بداياته يشبه المطار بمعناه الحديث، بل كان مجرد مساحة مستوية من الأرض تضم معدات ملاحة بدائية وعدداً قليلاً من هناجر صيانة الطائرات. كانت طائرات شركات مثل Imperial Airways تهبط هنا، ويقضي الركاب ليلتهم في فنادق متواضعة قرب الساحل قبل أن يستأنفوا رحلتهم في صباح اليوم التالي. وبذلك لم يكن المطار مجرد محطة عبور، بل كان مكاناً للتلاقح الثقافي حيث يلتقي طواقم الطائرات والمسافرون من قارات مختلفة بأهالي المنطقة.
الدور العسكري خلال الحرب العالمية الثانية
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، تغيّرت طبيعة المطار تغيّراً جذرياً. تسلّمه سلاح الجو الملكي البريطاني وجعله قاعدة عسكرية استراتيجية لحماية خطوط الملاحة في الخليج وتأمين تدفّق النفط من المناطق المجاورة. توسّعت المدرجات، وأُقيمت ثكنات إضافية، وتضاعف عدد الأفراد العسكريين في البحرين، فتحوّلت المنطقة الهادئة المحيطة بالمدرج إلى مركز عسكري نابض.
تركت هذه المرحلة العسكرية بصمتها الواضحة على النسيج الاجتماعي والعمراني للمنطقة، إذ اختلط الجنود والعمال من جنسيات مختلفة بالسكان المحليين بأعداد غير مسبوقة. كانت تلك أيضاً فترة شهدت فيها الساحة العالمية توتراً سياسياً حاداً، إذ ظهرت في تلك الحقبة أيديولوجيات تستند إلى التمييز العنصري والاستبداد، وتُمثّل النظرية العرقية النازية أحد أكثر النماذج تطرفاً في هذا السياق، وإن كانت بعيدة عن تفاصيل حياة البحرينيين اليومية. هذا المناخ الدولي شكّل الخلفية التي أعيد في ظلها تعريف دور المطار.
محطة محورية للطيران المدني
بعد انتهاء الحرب، عاد المطار تدريجياً إلى الاستخدام المدني، غير أن أهميته لم تتراجع بل تعاظمت. مع استقلال عدد من الدول الآسيوية والإفريقية واستحداث خطوط جوية جديدة، أصبح مطار البحرين محوراً رئيسياً يربط بين أوروبا وآسيا وإفريقيا. بدأت طائرات BOAC وغيرها تهبط فيه بانتظام، وارتفعت حركة المسافرين باطراد طوال الخمسينيات.
من أبرز حلقات تاريخ المطار دوره محطة توقف على طريق الهند، إذ شكّل آخر نقطة تزوّد بالوقود قبل أن تعبر الطائرات بحر العرب. ربط هذا المسار منطقة الخليج بشبه القارة الهندية التي كانت تزخر بتراث معماري وهندسي عريق، ومنه آبار الديكان الهندية التي كان المسافرون يقرؤون عنها في مجلات السفر آنذاك. أثرى هذا التبادل وعي المجتمع البحريني بحضارات بعيدة، وعزّز مكانة المطار جسراً بين الشعوب.
مبنى المطار المعماري المميز
في عام 1961، شهد المطار القديم افتتاح مبنى جديد للركاب صمّمه المهندس المعماري البرتغالي بانشو جيديس. تميّز المبنى بتصميمه الحديث الذي خرج على الأنماط المعمارية التقليدية، إذ ظهر بسقف خرساني مقوّس وواجهات زجاجية واسعة تسمح بدخول الضوء الطبيعي إلى صالات الانتظار. اعتُبر التصميم جريئاً في حينه وأثار جدلاً واسعاً بين من كانوا يفضّلون الطابع المعماري المحلي التقليدي.
سرعان ما أصبح المبنى معلماً يربطه المسافرون بصورة البحرين ذاتها، كما يربط أي قادم إلى مدينة كبيرة أول ما يراه بمشهد المطار بصورة البلاد. تضمّن المبنى أيضاً مرافق لكبار الشخصيات والوفود الدبلوماسية، مما يعكس المكانة المتنامية للبحرين مركزاً سياسياً واقتصادياً إقليمياً. على مدى العقود التالية، خضع المبنى لتوسعات عدة لمواكبة الزيادة في حركة النقل الجوي، لكنه حافظ على بصمته المعمارية الأصلية التي ميّزته عن مطارات المنطقة.
الخطوط الجوية الخليجية والطيران المحلي
في عام 1950، تأسّست شركة طيران الخليج كشراكة بين مستثمرين بريطانيين ومحليين، وانطلقت من هذا المطار لتشغّل رحلات إلى مدن الخليج المجاورة كالدوحة وأبوظبي ودبي والكويت. مثّلت الشركة سفيراً للطيران البحريني على مدى عقود، وظلّت توظّف مئات المواطنين وتدرّب طيارين وفنيين محليين شكّلوا لاحقاً نواة قطاع الطيران الوطني.
لم يكن المطار مجرد مكان للعمل، بل كان مدرسة أخرجت أجيالاً من المهندسين ومراقبي الحركة الجوية وموظفي الخدمات الأرضية. كثير من العائلات البحرينية تحتفظ بقصص عن آبائها وأجدادها الذين عملوا داخل أسواره، مما يجعل المطار جزءاً من الذاكرة الشخصية والعائلية. في أواخر السبعينيات، تحوّلت طيران الخليج إلى شركة وطنية، مما يعكس تدرّج الدولة في السيطرة على هذا القطاع الاستراتيجي، وتوطيد دور البحرين مركزاً إقليمياً للطيران.
إغلاق المطار القديم وبداية مرحلة جديدة
بعد أكثر من تسعين عاماً من التشغيل المتواصل، قررت السلطات البحرينية إحلال المطار القديم بمبنى جديد وأكبر افتُتح في أوائل عام 2020 بطاقة استيعابية ضخمة قادرة على استيعاب النمو المتسارع في حركة النقل الجوي. أُغلقت أبواب المبنى القديم، وبدأ المسافرون يودّعون مبنى كان جزءاً من حياتهم لأجيال. تلتها خطط لهدم المبنى القديم وإعادة تطوير الموقع، مما أثار نقاشاً واسعاً حول ضرورة الحفاظ على هذا المعلم المعماري والتاريخي للأجيال القادمة.
دعت أصوات إلى الإبقاء على أجزاء من المبنى القديم متحفاً تراثياً يوثّق تاريخ الطيران المدني في البحرين، في حين فضّل آخرون إعادة التطوير الكاملة لتلبية احتياجات التوسّع العمراني. يحمل المطار الجديد رسالة سلفه، غير أن المبنى القديم يظل محفوراً في الذاكرة الجمعية رمزاً لمرحلة مفصلية في تاريخ البحرين الحديث، شاهداً على عقود من التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي مرّت بها المنطقة.
ما تزال صور وأفلام المطار القديم محفوظة في الأراشيف الخاصة والعامة، تمثّل سجلاً بصرياً يمكن للأجيال الأصغر الرجوع إليه لفهم كيف انتقلت بلادهم من إمارة خليجية صغيرة إلى دولة منفتحة على شبكة طيران عالمية. زيارة المناطق المجاورة أو الاطلاع على المواد البصرية الموثّقة يساعد على جعل هذه الذاكرة ملموسة، ويبقي حياً فصلاً مهماً من تاريخ البحرين الحديث يستحق أن يظل حاضراً في الوعي الجماعي.