صناعة القوارب الشراعية في البحرين: البتيل والبوم بين البحر والتراث
تتشكّل الذاكرة البحرية للبحرين من خلال قواربها التي حملت الغواصين إلى أعماق الخليج العربي بحثاً عن اللؤلؤ، ورافقت الصيادين في رحلاتهم اليومية عبر مياهه. وتنبثق من هذه العلاقة الطويلة بين الإنسان البحريني والبحر موروثات حرفية متكاملة تعكس خبرات متراكمة عبر قرون من الزمن.
تبرز من بين أنواع القوارب التقليدية في البحرين كل من "البتيل" و"البوم"، وهما نموذجان مختلفان من السفن الشراعية التي تميّزت بها المنطقة. ولكل واحد منهما تصميمه الفريد واستخداماته الخاصة التي ارتبطت بحياة الناس ومعاشهم في الحاضر والماضي.
الجذور التاريخية لصناعة السفن في البحرين
تعود صناعة القوارب في البحرين إلى قرون بعيدة، إذ شكّلت الجزر الواقعة في قلب الخليج العربي مركزاً مهماً للملاحة وصيد الأسماك والغوص على اللؤلؤ. وطوّر البناؤون البحرينيون خبراتهم عبر احتكاكهم بثقافات بحرية متعددة، فجاءت تصاميم القوارب خليطاً من التأثيرات الهندية والفارسية والعربية، مع بصمة بحرينية واضحة في التفاصيل والزخارف.
وارتبطت هذه الصناعة بالحرفيين المعروفين بـ"المعلاف" الذين كانوا يتوارثون المهنة جيلاً بعد جيل في مناطق المنامة والبسيتين والمحرّق. وكان لكل ورشة تقنياتها الخاصة في معالجة الخشب، إذ يُنقع الخشب المستورد من الهند وشرق أفريقيا في مياه البحر لفترات طويلة قبل استخدامه لتقويته ومقاومة المياه المالحة.
ولم تنفصل هذه الحرفة عن باقي أشكال البناء التقليدي في البحرين، فقد استلهم البناؤون تقنيات مشابهة مما عرفوه في فنون العمارة المحلية. وتتشارك بيوت الطين والنخيل مع السفن التقليدية روح الحرفة اليدوية ذاتها واستخدام المواد الطبيعية المتاحة في البيئة المحيطة.
البتيل: سفينة الغوص على اللؤلؤ
يُعدّ البتيل من أبرز السفن الشراعية التي ارتبطت بموسم الغوص على اللؤلؤ في البحرين والخليج العربي. وكان البتيل يُستخدم لنقل الغواصين إلى مواقع اللؤلؤ في القاع، حيث يصل طوله في بعض الأحيان إلى ما بين عشرين وثلاثين ذراعاً، مما يتيح له حمل نحو عشرين غواصاً مع معداتهم.
تميّز البتيل بتصميمه الانسيابي وقاعه المسطّح الذي يساعده على الرسو في المياه الضحلة القريبة من الشواطئ المرجانية. ويتكوّن هيكله من ألواح خشبية متينة تُربط ببعضها بطريقة تقليدية تعرف بـ"التشطيب"، حيث تُحفر الأخشاب وتُربط بالألياف الطبيعية والراتنج المستخرج من جذوع النخيل.
وكان البتيل يحمل شراعاً كبيراً يُعرف بـ"الشري"، وهو مصنوع من قماش قطني أو كتاني مزيّن بألوان زاهية في بعض الأحيان. ويعتمد طاقم البتيل على خبرتهم في تحديد اتجاهات الرياح، إذ لم تكن هناك أدوات ملاحة حديثة في تلك الحقبة. ويُعدّ البتيل شاهداً على براعة البنائين البحرينيين في تصميم سفن قادرة على تحمّل تقلبات الخليج.
البوم: قارب الصيادين البسطاء
أما البوم فهو قارب أصغر حجماً من البتيل، صُمِم لخدمة الصيادين في رحلاتهم القريبة من الشاطئ. ويمتاز البوم بحجمه الصغير الذي يتراوح بين خمسة وثمانية أمتار، مما يجعله سهل المناورة في المياه الضحلة وقنوات الصيد المحلية.
يتكوّن البوم من بدن خشبي بسيط، وعادة ما يحمل شراعاً واحداً مثلثياً يُعرف بـ"المضرب" أو الشراع اللاتيني. وكان الصياديون يفضلونه لصيد الأسماك الصغيرة والقريبة من الشاطئ، كما استُخدم في نقل البضائع بين الموانئ القريبة.
وانتشرت بين البحارة الذين يعملون على هذه المراكب ممارسات ترفيهية متنوعة في أوقات الفراغ، تعكس طبيعة حياتهم المحفوفة بالمغامرة في عرض البحر. ولمن أراد الاطلاع على تطور تلك الممارسات عبر التاريخ، تتوفر مراجع متخصصة في الثقافات الساحلية القديمة.
مراحل تشييد السفن ومواد البناء
تمرّ صناعة القوارب التقليدية في البحرين بعدة مراحل دقيقة تبدأ باختيار الخشب المناسب. واعتمد الحرفيون بشكل أساسي على أخشاب "الساج" المستوردة من الهند وشرق أفريقيا، لما تتميز به من صلابة ومقاومة للرطوبة. وقبل البدء بالعمل، تُنقع الأخشاب في المياه المالحة لمدة تصل إلى عدة أشهر.
تتضمن المرحلة التالية قطع الألواح وفقاً للقياسات المرسومة على الأرض، ثم تجميع الهيكل الأساسي الذي يُسمى "المرفأ"، حيث يُربط البدن بالأضلاع الداخلية باستخدام المسامير الخشبية والألياف الطبيعية. ومن المراحل المهمة أيضاً عملية "التقوير" التي يتم فيها ضبط انحناءات البدن وضمان متانة السفينة في مواجهة التيارات القوية.
وتُستخدم مواد عزل محلية مثل خليط القار والراتنج المستخرج من شجر "الدم" والسمن البحري. وتُعرف هذه العملية باسم "القطرنة"، حيث تُطلى بها الوصلات والمسامير لمنع تسرب المياه. وتُعدّ هذه المرحلة من أدق المراحل وأكثرها أهمية في سلامة السفينة عند الإبحار في البحر.
الصناع والبناؤون في الورش البحرية
كان لبناء السفن في البحرين حرفيون متخصصون يحملون لقب "المعلاف"، وهو لقب يوارث في العائلات البحرينية المعروفة بصناعة السفن. وكانت ورش العمل تُقام بالقرب من الشواطئ في مناطق الحد والنويدرات وأم النمل، حيث يسهل إنزال القوارب إلى البحر بعد اكتمالها.
يتدرّب المعلاف لسنوات طويلة قبل أن يُسمح له بقيادة مشروع بناء كامل. ويبدأ المتدرّب عادة بحمل الأدوات ونقل الأخشاب، ثم ينتقل إلى تعلم قراءة الرسوم الهندسية التقليدية المعروفة بـ"النقش"، وهي رسوم تُرسم على الخشب لتحديد مواقع القطع والتجميع بدقة متناهية.
ومن الشخصيات البارزة في تاريخ البحرين، كما يتضح من الشيخ عيسى بن علي، قيادات محلية آمنت بأهمية هذه الصناعة في الحفاظ على هوية المجتمع، ودعمت الحرفيين بطرق مختلفة. وكان بعض هؤلاء القادة يُشرفون على بناء سفن خاصة لرحلاتهم البحرية والصيد.
دور القوارب في الاقتصاد المحلي والاجتماع
شكّلت صناعة القوارب الشراعية ركناً أساسياً في الاقتصاد البحريني التقليدي، إذ وفّرت فرص عمل لمئات الحرفيين والمساعدين. وكانت هذه الصناعة تتطلب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة، بدءاً من قاطعي الخشب وانتهاءً بمجدّفي الأشرعة وعارضيها.
وحملت هذه السفن عبر رحلاتها التجارية البضائع المتنوعة بين موانئ الخليج العربي والهند وشرق أفريقيا. وتُعدّ هذه التجارة من أهم ركائز ازدهار المنامة كمركز تجاري رئيسي في المنطقة على مرّ القرون.
وتجلّى الإبداع الحرفي البحريني في تفاصيل دقيقة مثل تزيين مقدمة البتيل بما يُعرف بـ"الرأس"، وهو قطعة خشبية منحوتة على شكل حيوان أو طائر ترمز إلى القوة والحماية في البحر. وتُعدّ هذه الزخارف من أبرز مظاهر الحرفيات التقليدية التي ميّزت السفن البحرينية وأكسبتها طابعها الفريد.
التحديات المعاصرة ومحاولات الحفاظ على التراث
تواجه صناعة القوارب التقليدية في البحرين اليوم تحديات كبيرة بسبب تراجع الطلب عليها وانتشار القوارب الحديثة المصنوعة من الألياف الزجاجية. وقد اختفت معظم ورش بناء السفن التقليدية، ولم يبقَ منها سوى عدد محدود من الحرفيين المسنّين الذين يحملون هذه المعرفة.
وتسعى بعض الجهات الحكومية والمؤسسات الثقافية إلى إحياء هذه الصناعة من خلال مشاريع ترميم السفن التاريخية وتدريب جيل جديد من الحرفيين على المهارات التقليدية. كما تُقام معارض ومتاحف متخصصة تعرض نماذج من البتيل والبوم لتوعية الأجيال الجديدة بأهمية هذا التراث.
وتبقى الذاكرة البحرية البحرينية بحاجة إلى توثيق مستمر، سواء عبر المقابلات مع الحرفيين المسنّين أو عبر الدراسات الميدانية التي تتتبّع بقايا الورش القديمة في المناطق الساحلية. ونوصي بزيارة ورش المعلافين المتبقية في المنامة والمحرق، ومشاهدة آخر النماذج الباقية من البتيل والبوم في متحف البحرين الوطني، وتوثيق شهادات الحرفيين المسنّين قبل اندثار هذا الموروث العريق.