حركة 1965 في البحرين: الجذور والنتائج
في منتصف ستينيات القرن العشرين، شهدت البحرين واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخها المعاصر، حين اندلعت حركة مسلحة سرية حملت اسم "جبهة التحرير الوطني البحرينية". كانت هذه الحركة تعبيراً عن تراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، ولم تنشأ من فراغ، بل كانت ثمرة تحولات إقليمية ومحلية تبلورت عبر عقدين كاملين من الزمن. تراوحت هذه الحركة بين العمل السري والعمليات العسكرية المحدودة، وواجهتها السلطات البريطانية والبحرينية بقمع شديد، لكنها تركت بصمات واضحة على مسار الحركة الوطنية في البلاد.
ترتبط جذور هذه الحركة بسياق أوسع من التحولات التي شهدتها منطقة الخليج العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث أدت اكتشافات النفط وتوسع الاستثمارات الأجنبية إلى تغيير البنية الاجتماعية التقليدية، وولدت إحباطات عميقة بين الأوساط الشعبية والعمالية. وقد استلهم المناضلون البحرينيون تجارب حركات التحرر العربية، ولا سيما الثورة الجزائرية والحركة الناصرية، مما وسع أفقهم النضالي ودفعهم نحو تبني خيار الكفاح المسلح كوسيلة لإسقاط النفوذ البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني.
الخلفية التاريخية والسياسية
كانت البحرين في مطلع الستينيات تعيش تحت سيطرة بريطانية مباشرة من خلال المعتمد السياسي، على الرغم من صدور دستور 1957 الذي منح البلاد برلماناً منتخباً ومجلساً وطنياً. لكن الحياة البرلمانية لم تدم طويلاً، إذ أعلن رئيس الحكومة الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة حل المجلس الوطني في عام 1963 بحجة الانقسامات والخلافات بين أعضائه، وهو ما اعتبرته المعارضة ضربة قاسية لطموحات الإصلاح السياسي. ترافقت هذه التطورات مع موجة من الاعتقالات طالت ناشطين سياسيين وصحفيين، وأدت إلى تآكل الثقة بين المواطنين والسلطات الرسمية.
في تلك الأثناء، كانت قوى المعارضة تبحث عن بدائل للعمل السياسي السلمي، خاصة بعد أن لمس ضعف المشاركة الشعبية في المؤسسات الرسمية. وبدأت تطرح تساؤلات حول جدوى العمل البرلماني في ظل وجود قاعدة عسكرية بريطانية ضخمة في الجعالية، ووجود جهاز أمني يراقب التحركات السياسية بحذر شديد. وقد شكل هذا المناخ السياسي بيئة خصبة لانتشار الأفكار الراديكالية بين صفوف الشباب البحريني.
التأثيرات الفكرية والإقليمية
ساهمت التحولات الفكرية في المنطقة العربية في تشكيل وعي المناضلين البحرينيين خلال الخمسينيات والستينيات. فقد تأثرت النخبة البحرينية المثقفة بالتيارات القومية العربية، وعاشت أجواء الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958، وانعكاسات الانقلابات العسكرية في العراق وسوريا على الواقع السياسي العربي. كما تأثرت بالأفكار الماركسية التي انتشرت في الجامعات العربية، خاصة بين الطلاب البحرينيين الذين درسوا في القاهرة وبيروت والكويت.
لم يكن التأثر بهذه التيارات محصوراً بالجانب النظري، بل ترجم إلى محاولات عملية لبناء تنظيمات سرية تعيد إنتاج تجارب الحركات التحررية الناجحة في العالم الثالث. وقد ساعد على ذلك وجود شبكة من المناضلين العرب في دول المنفى، حيث التقى البحرينيون برفاق النضال من فلسطين والجزائر واليمن، وتبادلوا الخبرات حول أساليب الكفاح المسلح. كما لعبت الإذاعات العربية، وخاصة "صوت العرب" من القاهرة، دوراً في تعبئة الرأي العام وتوسيع رقعة المتعاطفين مع العمل المسلح.
البنية الاجتماعية والاقتصادية
لم تكن حركة 1965 مجرد رد فعل سياسي، بل كانت انعكاساً لاختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة. فقد أدى تدفق عائدات النفط إلى خلق طبقة تجارية ميسورة مرتبطة بالسلطة، في حين ظل أغلب سكان البحرين يعيشون في أحياء فقيرة مثل المحرق القديمة والمنامة والقرى المحيطة بها. عمل كثير من البحرينيين في قطاع صيد اللؤلؤ الذي تراجع منذ أواخر الثلاثينيات، ولم يستفيدوا إلا هامشياً من الوظائف المتاحة في شركات النفط الأجنبية.
كان الاستياء الاجتماعي يتنامى بصمت في الأحياء الشعبية، خاصة بين العمال والحرفيين الذين فقدوا مصادر رزقهم التقليدية. وتظهر سجلات تلك الحقبة كيف أن المهن الحرفية كـصناعة الفخار التقليدي بدأت تتلاشى مع تغير أنماط الاستهلاك ودخول المنتجات المستوردة إلى الأسواق المحلية. وقد فاقم هذا الواقع من الإحساس بالغبن لدى أبناء الطبقات الكادحة، ودفع كثيرين منهم إلى الانخراط في النشاط السياسي السري أملاً في تغيير أوضاعهم المعيشية.
تأسيس جبهة التحرير الوطني
تأسست "جبهة التحرير الوطني البحرينية" في منتصف الخمسينيات تقريباً، على يد مجموعة من المثقفين البحرينيين الذين تأثروا بالأفكار القومية والماركسية، وكان من أبرزهم عبد الرحمن النعيمي ومحمد مرشد خنجي وغيرهم. اعتمدت الجبهة في بداياتها على النشاط السري بين العمال والطلاب في المعاهد والجامعات، قبل أن تتحول تدريجياً إلى العمل المسلح في أوائل الستينيات.
قامت الجبهة ببناء خلايا سرية في عدد من مناطق البحرين، واستقطبت عناصر شابة من مختلف المشارب الاجتماعية. وقد اعتمدت الجبهة على التدريب العسكري في بعض الدول المجاورة، وشكلت مجموعات صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات نوعية. ويذكر المناضلون القدامى أن تمويل الجبهة كان يعتمد على اشتراكات رمزية من الأعضاء، وبعض التبرعات من متعاطفين في الأوساط الشعبية.
من أبرز محطات نشاط الجبهة:
- تفجير منشآت نفطية في منطقة سترة
- تنفيذ عمليات ضد رموز بريطانية ومرافق عسكرية
- توزيع منشورات سرية تدعو إلى الكفاح المسلح
- محاولات تنظيم إضرابات في صفوف العمال البحرينيين
أحداث 1965 والتدخل الأمني
في عام 1965، تصاعدت عمليات الجبهة بشكل ملحوظ، مما أثار قلق السلطات البريطانية التي بدأت تنسق مع الأجهزة الأمنية المحلية لملاحقة الخلايا السرية. وقد أدت هذه الحملة إلى كشف معظم أعضاء الجبهة واعتقالهم، حيث شهدت الأشهر الأخيرة من عام 1965 محاكمات علنية أثارت الرأي العام المحلي والدولي. تعرض المعتقلون لتعذيب شديد في المعتقلات السرية، وحكم على كثير منهم بالسجن لفترات طويلة، فيما أعدم عدد قليل منهم بتهم مختلفة.
سقط خلال هذه الحملة العشرات من المناضلين في أيدي السلطات، وفقدت الجبهة معظم قدراتها التنظيمية خلال سنوات قليلة. وقد ترافقت هذه الحملة الأمنية مع حملة إعلامية واسعة صورت الجبهة على أنها "جماعة تخريبية" تعمل لصالح قوى خارجية، وهو الخطاب الذي ترسخ في الذاكرة الرسمية لعقود طويلة. وأثرت حملة القمع على عائلات المناضلين الذين تعرضوا للملاحقة والتمييز الاجتماعي حتى بعد خروجهم من السجن.
النتائج والتداعيات
لم تكن حركة 1965 حركة فاشلة بالمعنى المطلق، رغم الخسائر الكبيرة التي منيت بها. فقد أسهمت في تكريس الوعي السياسي لدى أجيال كاملة من البحرينيين، وأثبتت أن النضال ضد الهيمنة الأجنبية ليس مجرد ترف فكري، بل خيار واقعي تبنته شريحة من أبناء الشعب. وقد أدت تداعيات الحركة إلى مراجعة بعض السياسات الرسمية في أواخر الستينيات، حين بدأت تظهر بوادر انفتاح سياسي محدود تمهيداً لمرحلة الاستقلال.
من أبرز النتائج بعيدة المدى:
- تأسيس نواة لتيارات سياسية منظمة ستظهر في السبعينيات
- تعميق الوعي بحقوق العمال والمهمشين في البحرين
- إدخال مفاهيم النضال الجماهيري إلى الثقافة السياسية المحلية
- تمهيد الطريق أمام تجربة المجلس الوطني في عام 1972
وحتى يومنا هذا، تبقى حركة 1965 محطة مفصلية في الذاكرة الوطنية البحرينية، إذ تظهر من خلال تفاصيلها كيف أن مجتمعاً صغيراً قادر على صناعة تحولات كبرى حين تتوافر الإرادة والتضحية. وتتجلى أهمية استذكار هذه المرحلة في فهم طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع في البحرين، وضرورة حماية الموروث الثقافي والفكري الذي صنعه المناضلون على مدار عقود. وتبقى صفحات التاريخ البحريني، كما يوثقها موقع التراث البحريني، شاهدة على تلك التضحيات وعلى الدور الذي لعبته هذه الحركة في صياغة الوعي الوطني المعاصر.