ألعاب الذاكرة البحرينية: الدقلة والسنارة في زمن الأحياء

كانت حارات البحرين القديمة تضج بالحياة مع ساعات المساء الأولى، حين تنتهي أعمال النهار ويخرج الصبية والفتيات إلى الساحات القريبة من البحر أو بين النخيل. لم يكن في تلك الحقبة ما يُشغل الأطفال سوى ما يصنعه الخيال من أدوات بسيطة: حجر، عصا، خيط، وعلبة قديمة. ومن رحم هذه البساطة وُلدت عشرات الألعاب التي صارت جزءاً لا يتجزأ من الهوية البحرينية، يحملها كبار السن في ذاكرتهم كما تحمل الجدران آثار الزمن.

تحتل الدقلة والسنارة مكانة خاصة بين تلك الألعاب، إذ تجمعان بين المهارة البدنية والتكتيك الذهني، وتُمارسان في مجموعات صغيرة تتطلب توزيع الأدوار والتحالف. وهما من الألعاب القليلة التي ما تزال بعض عائلات البحرين تتناقل قواعدها شفهياً بين الأبناء، وإن كانت ممارستها الفعلية قد تراجعت بشكل ملحوظ في المدن الحديثة. يروي هذا المقال تفاصيل هاتين اللعبتين كما عاشهما أهل البحرين، ويستكشف ما تعلّمه الأبناء من تفاصيلهما.

جذور الدقلة والسنارة في البيئة البحرية

تعود أصول الألعاب الشعبية البحرينية إلى بيئة المجتمع الساحلي الذي اعتمد على البحر في رزقه ومعاشه. فالصيادون الذين يقضون ساعات طويلة على المراكب كانوا يعلمون أبناءهم رمي الحبال وشدّ الخيوط، ومن هنا جاءت فكرة الألعاب التي تحاكي حركة السنّارة وصيد الأسماك. أما الدقلة، فيُرجعها كثير من الباحثين إلى تقليد الفلاحين في استخدام العصي لتقليب الأرض أو نقل الحزم، ثم تحوّل هذا الاستخدام العملي إلى لعبة تنافسية تختبر دقة اليد وقوة الذراع.

انتشرت هذه الألعاب في القرى والبوادي على حد سواء، من المحرّق إلى المنامة ومن بوقوة إلى سترة. وكان كل حيّ يُدخل لمسته الخاصة على القواعد، فتنوّعت التسميات والتفاصيل من منطقة إلى أخرى، وهو ما يُثري التراث البحريني ويُظهر تنوعه الداخلي. وثمة اليوم أرشيفات محلية ومبادرات بحثية بدأت توثيق هذه الاختلافات قبل أن تندثر، مثل قرية الأمير وتاريخها الزراعي التي تروي جوانب من حياة المجتمع القروي وعلاقته بالأرض والبحر.

الدقلة.. عصا فوق عصا

تُلعب الدقلة بعصا طويلة يحملها اللاعب الأساسي، وعصا أقصر يضعها على الأرض أو على حجر مرتفع. الهدف بسيط لكنه يحتاج إلى دقة: رمي العصا القصير بالعصا الطويلة بحيث يطير في الهواء لمسافة محددة، ثم محاولة ضربه مرة أخرى وهو ساقط. كل ضربة ناجحة تكسب اللاعب نقاطاً، وكل خطأ يُعيد العصا إلى نقطة البداية، مما يتطلب تركيزاً شديداً وصبراً طويلاً.

ما يميّز الدقلة عن غيرها من الألعاب أنها تختبر حدة البصر وسرعة ردّ الفعل، إذ على اللاعب أن يقدّر المسافة والزاوية والارتفاع في لحظات قصيرة. كانت تُلعب في مسارات ترابية مرسومة على الأرض، ويتنافس اللاعبون فرادى أو ضمن فرق صغيرة. ومع نهاية كل جولة، كان الفائز يختار أداة اللعب للجولة التالية، وهو تقليد يمنح الفائز شرفاً إضافياً في الحيّ ويعزز مكانته بين أقرانه.

السنارة.. رمية الصيد في الساحة

إذا كانت الدقلة لعبة الانفراد والتركيز، فإن السنارة لعبة جماعية تتطلب توزيع الأدوار والمراوغة. يقوم أحد اللاعبين بدور "الصيّاد" ويقف في منتصف دائرة، بينما يقف الباقون على المحيط ويحاولون رمي كرة صغيرة أو حجر ملفوف بخرق نحو هدف محدد. على الصيّاد أن يلتقط الرمية أو يصدّها بيديه، فإن فشل، يخرج اللاعب الرامي من الجولة ويحلّ محله، وتستمر المنافسة حتى يتبقى صيّاد واحد.

تحمل السنارة اسمها من شكل حركة الرمي التي تشبه رمي السنّارة البحرية، إذ يلفّ اللاعب ذراعه بحركة دائرية قبل أن يطلق الرمية. وكان أهل الحيّ يتبارون في إتقان هذه الحركة، فمن أتقنها اعتبر نفسه "صيّاداً ماهراً" بحكم اللعبة، واكتسب هيبة بين أقرانه. تُمارس السنارة في الساحات الواسعة، وتستمر لساعات طويلة، يعلو فيها الصياح والمرح وتُروى فيها القصص والنوادر بين الجولات.

لعب تكبر فيها الأجيال

لم تكن هذه الألعاب مجرّد تسلية صيفية تملأ فراغ الأطفال، بل كانت فضاءً للتربية غير المباشرة. فمن خلالها تعلّم الصبية معنى الفوز والخسارة، واحترام الدور، والالتزام بالقواعد حتى حين لا يراهم أحد. كما عززت الروح الجماعية، إذ كثيراً ما كانت المباريات تجمع بين أبناء العائلة والجيران، فيتشابك الترفيه مع صلة الرحم.

وقد لاحظ الباحثون في علم الاجتماع أن الألعاب الجماعية في المجتمعات الساحلية تتقاطع في وظائفها مع تلك المتوارثة في ثقافات أخرى، وهو ما يوثقه موقع Deadireland عند استعراضه للألعاب الإيرلندية التقليدية التي تشترك مع كثير من الألعاب العربية في أهدافها التربوية. وإلى جانب هذه الوظيفة التعليمية، كانت هذه الألعاب تُعلّم الفتيات أدواراً مختلفة، إذ كانت بعض الألعاب خاصة بالبنات وأخرى بالفتيان، مع وجود ألعاب مشتركة تُلعب في المناسبات والأعياد. وكان الكبار يشاركون أحياناً في تحكيم المباريات أو توجيه الأطفال، مما يحوّل الساحة إلى فضاء تربوي متكامل يربط الأجيال ببعضها.

من الحارة إلى أرشيف الذاكرة

تراجعت ممارسات الدقلة والسنارة في العقود الأخيرة مع توسّع المدن وتغيّر أنماط الترفيه، فلم تعد الحارات تستوعب هذه الألعاب، وانشغل الأطفال بألعاب الفيديو والوسائط الرقمية. لكن جهات ثقافية عدة في البحرين بدأت خطوات جادة لتوثيق هذا التراث الشفهي، من خلال مقابلات مع كبار السن، وجمع القواعد والرسومات، وتنظيم مهرجانات تتيح للأطفال تجربة هذه الألعاب بأنفسهم. وتُعدّ منصات مثل موقع تاريخ البحرين من أهم المراجع التي تحفظ هذا الإرث وتتيح للباحثين والمهتمين الاطلاع عليه.

تتضمن جهود التوثيق أيضاً إعداد كتيبات تربوية تُدرّج ضمن مناهج الأنشطة اللامنهجية في بعض المدارس، وتنظيم ورش عمل في المراكز الثقافية والمحافظات. ورغم أن هذه الخطوات لا تزال في بداياتها، فإنها تُنبئ بعودة محتملة لهذه الألعاب إلى حياة الأطفال، وإن بأشكال عصرية تجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر. وتبقى المسؤولية مشتركة بين الأهل والمدارس والمؤسسات الثقافية لضمان انتقال هذا التراث إلى الأجيال القادمة بصورة طبيعية.

إذا كنت تبحث عن تجربة عملية تُعيد لك ذاكرة الطفولة، فابدأ بزيارة أحد المراكز الثقافية في المنامة أو المحرّق خلال موسم المهرجانات التراثية، حيث تُقام ورش لتعليم الدقلة والسنارة تحت إشراف كبار السن الذين حفظوا قواعدها عن آبائهم وأجدادهم. مجرد مساء واحد هناك كفيل بأن تستعيد من الألعاب البحرينية ما اعتدت على نسيانه.